الحكيم الترمذي
110
كيفية السلوك إلى رب العالمين
المستدرك السابع « باب في تفسير حب الدنيا » قال أبو عبد اللّه رحمه اللّه : وسألت عن قول عيسى صلوات اللّه وسلامه عليه : « حب الدنيا رأس كل خطيئة » « 1 » ، فإن اللّه تبارك وتعالى خلق الدنيا مرفقا للعباد في مقدار هذه المدة التي أحلّت لهم ، ويمضون إلى اللّه إلى دار القرار ، فيتنعّمون في جواره بقرّة العيون ، فإنما لهم من دنياهم هذا الذي وصفنا ، فما لهم ولحبها ، إنما الخالق خلقهم ، وأعطاهم هاتين الدارين على هذه الصفة ، هذه ممرّ ، وتلك مقرّ ، هذه ممزوجة بالآفات والأخطار والعسر والنكد والضيق ومزاحمة الشيطان ، وتلك محشوّة بالأفراح والحبور والسرور ، فالعدل أن تحب خالقها وتقبلها منه على سبيل ما وصفنا لك ، فمن حاد عن هذا العدل فقد بخس بحظّه ، واستعمل حبه فيما يلهف عليه غدا ، فمن أقبل على نفسه فأحبّها افتتن ، والمفتون بالآخرة هو محمود على ذلك ، وحقّ له أن يفتن بها ؛ لأنها دار اللّه وفيها يلقى ربّه ، ومفتون بالدنيا ، وهو مذموم ملوم على ذلك ؛ لأنها دار الحرب ، ومحل الابتلاء ، ومباض الشياطين ومعدنهم . أولا يستحي المؤمن أن يتعمّل حبه من المزابل ومساكن الشياطين ، وشهوات بالية زائلة . وقال اللّه تبارك اسمه : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ [ آل عمران : 14 ] ، فذهب هذا الكيّس ، فصرفه حبه إلى خالق الشهوات ، حتى وجدت النفس لذّة هذا الحب ، فأفقدت لذة الشهوات فسلم منها ، فإن تناول الشهوات باللّه يتناولها ، وإذا هو قد سلم من آفات الدنيا ، وتضاعفت اللذّة جزاء من أقبل على اللّه ، وأعرض عن نفسه ، وهداها بوداد اللّه . ولذلك قال : يا داود عاد نفسك ، وودّني بعداوتها ، فالمودّة إذا رسخت وامتلأت النفس منها ، وهدت عن كل شيء سواه ، وعرفت هذه اللذّات في تلك اللذات .
--> ( 1 ) رواه البيهقي في كتاب الزهد الكبير ، فصل في ترك الدنيا . . ، حديث رقم ( 247 ) [ 2 / 134 ] .